القرطبي
242
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
موثقا من الله ) أي عهدا من الله في حفظ ابنه ، ورده إليه . ( ومن قبل ما فرطتم في يوسف ) " ما " في محل نصب عطفا على " أن " والمعنى : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ، وتعلموا تفريطكم في يوسف ، ذكره النحاس وغيره . و " من " في قوله : " ومن قبل " متعلقة ب " تعلموا " . ويجوز أن تكون " ما " زائدة ، فيتعلق الظرفان اللذان هما " من قبل " و " في يوسف " بالفعل وهو " فرطتم " . ويجوز أن تكون " ما " والفعل مصدرا ، و " من قبل " متعلقا بفعل مضمر ، التقدير : تفريطكم في يوسف واقع من قبل ، فما والفعل في موضع رفع بالابتداء ، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به " من قبل " . ( فلن أبرح الأرض ) ( 1 ) أي ألزمها ، ولا أبرح مقيما فيها ، يقال : برح براحا وبروحا أي زال ، فإذا دخل النفي صار مثبتا . ( حتى يأذن لي أبى ) بالرجوع فإني أستحي منه . ( أو يحكم الله لي ) بالممر مع أخي فأمضي معه إلى أبي . وقيل : المعنى أو يحكم الله لي بالسيف فأحارب واخذ أخي ، أو أعجز فانصرف بعذر ، وذلك أن يعقوب قال : " لتأتنني به إلا أن يحاط بكم " [ يوسف : 66 ] ومن حارب وعجز فقد أحيط به ، وقال ابن عباس : وكان يهوذا إذا غضب وأخذ السيف فلا يرد وجهه مائة ألف ، يقوم شعره في صدره مثل المسال فتنفذ من ثيابه . وجاء في الخبر أن يهوذا قال لإخوته - وكان أشدهم غضبا - : إما أن تكفوني الملك ومن معه أكفكم أهل مصر ، وإما أن تكفوني أهل مصر أكفكم الملك ومن معه ، قالوا : بل أكفنا الملك ومن معه نكفك أهل مصر ، فبعث واحدا من إخوته فعدوا أسواق مصر فوجدوا فيها تسعة أسواق ، فأخذ كل ، واحد منهم سوقا ، ثم إن يهوذا دخل على يوسف وقال : أيها الملك ! لئن لم تخل معنا أخانا لأصيحن صيحة تبقي في مدينتك حاملا إلا أسقطت ما في بطنها ، وكان ذلك خاصة فيهم عند الغضب ، فأغضبه يوسف وأسمعه كلمه ، فغضب يهوذا واشتد غضبه ، وانتفجت ( 2 ) شعراته ، وكذا كان كل واحد من بني يعقوب ، كان إذا غضب ، اقشعر جلده ، وانتفخ جسده ، وظهرت شعرات ظهره ، من تحت الثوب ، حتى تقطر من كل شعرة قطرة دم ، وإذا ضرب الأرض برجله تزلزلت وتهدم البنيان ، وإن صاح صيحة لم تسمعه حامل من النساء والبهائم
--> ( 1 ) في ى : أي من الأرض . ( 2 ) نفجت : ثارت بقوة .